U3F1ZWV6ZTMwNDQ5MjkxNTU4OTk4X0ZyZWUxOTIxMDA0NjA5MTgyOQ==

السر العظيم للتعامل مع الناس : كيف تمتلك قلوب من حولك ؟ "الجزء الثالث"

 أهلاً بك مجدداً يا صديقي الغالي.

اليوم موعدنا مع مبدأ جديد ، أو بالأصح " سر عظيم " كما سماه ديل كارنيجي في كتابه الممتع " كيف تؤثر على الآخرين وتكتسب الأصدقاء ". تخيل معي يا صديقي أن هذا السر كفيل بأن يجعلك تكسب ود أي شخص ، ويصلح أي علاقة على وشك الانهيار، بل ويقوي أي علاقة تطمح للحفاظ عليها.

قبل أن نبدأ، جهز مشروب ساخن تحبه ، وصفي ذهنك تماماً .. ويلا نستمتع.



الغرض من هذا المبدأ يا صديقي الغالي هو إشباع غريزة لدى الإنسان، وهذه الغريزة تعتبر مجهولة عند كثير منا. وخليني أعلمك الفرق بين "الغريزة" و"الفطرة" لأن هناك ناس كثير تلخبط بينهم.

الفطرة : هي الأطباع ونمط التفكير الافتراضي اللي من يوم ما تنولد يكون موجود معك، فُطرت على كذا.  فالفطرة هي الإعدادات الأولية اللي تنولد معك. والأخلاق الحميدة تعتبر فطرة، مثل الصدق والأمانة والوفاء والإخلاص وغيرها. وراح تلاحظ أن الفطرة الإنسانية في الأطفال واضحة جداً ؛ ما عندهم كره وخيانة وغدر أو تمييز عنصري ولا شذوذ جنسي. جميع الأفعال اللي ممكن نسميها "شيطانية" غير موجودة في الفطرة.

لكن مشكلة الفطرة يا صديقي أنها تتغير، تتشوه، وتتبدل. ويصير هذا الشيء بسبب الأهل والأصدقاء والمجتمع والمحيط والثقافة، أو بسبب تأثير عوامل خارجية مثل الجوال والبرامج التلفزيونية.

وهنا لازم أقف معك وقفة صراحة.. منصات مثل "نتفليكس" مع كامل الأسف تعمل جاهدة لتشويه هذه الفطرة. تزرع أفكاراً غريبة ومناظر غير لائقة وتكررها عليك حتى تألفها عينك وتراها طبيعية. صدقني يا صديقي، تكرار مشاهدة المشاهد الإباحية أو التي تحتوي على إيحاءات (حتى لو لم تكن صريحة تماماً) يدمر الفطرة ويدمر النفسية، وقد يصل تأثيرها لتدمير حياتك الزوجية مستقبلاً .. نصيحة من القلب: حافظ على فطرتك ولا تسمح لهذه المنصات بتلويثها، وإذا شعرت باستثارة لغرائزك توقف فوراً. ولا تتابع أي فيلم أو مسلسل من إنتاج هذه الشركة التي وصلت لمرحلة من الدناءة أنها تستخدم أطفالاً لتمثيل مشاهد شذوذ!

نرجع لموضوعنا هذه هي الفطرة... الفطرة هي الاعدادات الأولية وقابلة للتغيير والتشوه.

أما الغريزة: فهي الشيء الذي تفعله " غصباً عنك " ولا يتغير ، مثل الجوع، العطش، النوم، والرغبة الجنسية. هذه حاجات بيولوجية لا تتبدل ولا تتغير.

وهنا يأتي السر العظيم..

يقول ديل كارنيجي إن هناك " غريزة " موجودة فينا جميعاً ، لكننا نغفل عنها ، وهي " الرغبة في أن تكون عظيماً " أو "الرغبة في الشعور بالأهمية". يقول إن رغبة أنك تكون مهم وعظيم هذا شيء مغروز فيك وتحاول تشبع هذه الرغبة بأي طريقة كانت.

وضرب مثال على الأثرياء اللي يبنون قصور ويدفعون عليها ملايين الدولارات وفي النهاية تلقى هذا الثري ما يستخدم من القصر إلا غرفة أو غرفتين وباقي القصر عبارة عن غرف وحجر مغلقة وممرات مظلمة مع كامل الأسف ، فتسأل أنت سؤال منطقي وبديهي تقول : يا عزيزي الثري.. ليه ضيعت كل فلوسك على قصر انت ما تستخدم منه إلا 10%؟ يقول لك ديل كارنيجي اللي يخليهم يخسرون كل هذه الأموال على هذه القصور..

هي الرغبة في أن يكونون عظماء أو مهمين.. أنا أريد أن الناس إذا مروا وشافوا قصري يقولوا "أووووه".

هذا من جعل تومس اديسون يحاول 999 مرة في إشعال المصباح ويفشل ويستمر. فيقول ديل كارنيجي: كلنا نحاول نشبّع هذه الغريزة بشتّى الطرق وأشكالها لدرجة أنّ فيه أشخاص يدّعون المرض عشان الناس تسأل عنها ويقولون كيف امورك! هل انت بخير؟

ويقول حكيت للكاتبة " ميري روبرتس رينهارت " عن إمرأة كانت ذكية جداً ، يقول وصلت لمرحلة في حياتها أنها ما عاد تشعر أنها مهمة ، فقررت أن تلتزم الفراش لمدة عشر سنوات! تخيل؟ عشر سنوات تدعي المرض طريحة الفراش، وخلت أمها الطاعنة في السن ، الكبيرة في العمر المسكينة ترقى كل يوم لغرفتها تهتم فيها وترعاها عشان تشبع شعورها بالأهمية. يقول حتى جاء اليوم اللي صارت فيه الأم الكبيرة هي طريحة الفراش وماتت، بعدها قامت المرأة ولبست ملابسها ورجعت مارست حياتها بشكل طبيعي .. شيء مخيف!

ويقول فيه ناس راح تشبع هذه الغريزة حتى إذا تسبب في مقتل 80 مليون إنسان مثل الطاغية "هتلر". فأنت مهمتك يا صديقي الغالي في هذا المبدأ أنك تشبع هذه الغريزة الإنسانية عند كل الأشخاص اللي تعرفهم ، وهذا هو السر العظيم في التعامل مع الآخرين.

ويقول الفيلسوف الأمريكي الرهيب جداً "جون ديوي": "أعمق الدوافع البشرية هي الرغبة في أن تكون عظيماً". كلنا فينا دوافع، أشياء تدفعنا نسوي أشياء، أشياء تخليك تقوم من النوم وتروح الدوام وتداوم 8 ساعات وتبحث عن المال والوظيفة الجيدة .. قال لك أعمق هذه الدوافع هي الرغبة في أن تكون مهماً.. وهذا الكلام يا صديقي المتابع خطير جداً.

تشارلز شواب والراتب المليوني


في سنة 1921 أنشأ "أندرو كارنيجي" شركة الحديد الأمريكية. أندرو كارنيجي هذا يعتبر من أثرى أثرياء العالم ويقال إنه أثرى رجل مر على تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية. هذا الرجل جاب شخص اسمه "تشارلز شواب" وخلاه يصير الرئيس التنفيذي لشركة الحديد الأمريكية. ويقول ديل كارنيجي أن أندرو أعطى راتباً لتشارلز يقدر بـ مليون دولار سنوياً! تخيل مليون دولار سنة 1921؟ ديل كارنيجي يقول اللي كان يتقاضى 200 دولار في الشهر في ذاك الوقت يعتبر ميسور الحال ومبحبح ، وتشارلز شواب كان يستلم 200 دولار في الساعتين! مبلغ مرعب.

فيقول: على أي أساس أندرو يعطي راتب بهذه الضخامة لشخص مثل تشارلز شواب ؟ يعني اي حضرتك ؟ هل كان أفضل واحد يفهم في الحديد ؟ لا. هل كان هو أفضل مدير تنفيذي في ذاك الوقت ؟ لا.

تشارلز شواب بنفسه يقول: " أنا أتقاضى هذا الراتب بسبب قدرتي في التعامل مع الناس". فسألت كيف يمكنك أن تفعل هذا؟ فأجابني بهذه الكلمات التي لابد أن تصب في قوالب برونزية وتعلق في كل منزل وكل مدرسة وكل مكتب في هذه الأرض ، كلمات ستغير حياتك وحياتي إذا طبقناها :

يقول شواب:

"قدرتي على إثارة حماسة الموظفين لدي هي أعظم خصائصي ، ويمكنني إظهار أفضل ما لدى أي شخص من خلال التقدير والتشجيع . ولا يوجد هناك شيء يدمر طموحات الشخص مثل النقد."

تذكر اللي قلته لك في الجزء الأول يا صديقي الغالي ؟ النقد يجرح كبرياء الشخص وهذا اللي كنت أقصده. فيقول شواب : " لذلك فإنني لا أنتقد أحداً أبداً ، فأنا أؤمن بإعطاء الناس الحافز للعمل ، أحفزهم ولذلك تجدوني تواقاً للمدح وكارهاً لتصيد الأخطاء . فإذا كان هناك شيء أحبه فهو أنني صادق في استحساني وكريماً في مدحي."

الله الله عليك يا شواب. وديل كارنيجي يقول أندرو كارنيجي اللي وظف شواب كان مثله تماماً ، يحب يمدح الناس ويقدرهم تقدير صادق وأمين . تخيل لدرجة أن بعد ما مات طلب منهم يكتبون على قبره: "هنا يرقد شخص عرف كيف يجمع رجالاً أذكى منه من حوله ". حتى وهو ميت يا صديقي المتابع يقدرهم!

ويقول ديل كارنيجي : كانوا يمدحون مدحاً صادقاً وأميناً ، تقديراً صادقاً وأميناً، مو بتملق ولا مجاملات كذابة. ويقول الفرق بين التملق والتقدير الصادق: أن التقدير الصادق يأتي من القلب، والتملق يأتي من اللسان.

عندما يصبح الجنون حلاً!

طبعاً يقول إن هذه الغريزة في ناس تشبعها لما تصير مجنونة ! تخيل يقول مرة من المرات سألت مدير مستشفى الصحة النفسية اللي موجود في بلدتنا ، يقول هذاك المدير كان حائز على أوسمة عديدة جداً بسبب معرفته الواسعة في هذا المجال. يقول فسألته: " لماذا يُجن الناس؟ ". طبعاً هذا يا صديقي المتابع من أعمق الأسئلة الفلسفية في التاريخ.

يقول فاعترف لي بصراحة أنه لا يوجد أي إنسان على وجه الأرض يستطيع أن يجيب على هذا السؤال، ولكن كثير ممن يجنون يجدون شعوراً بالأهمية في عالم الجنون لم يستطيعوا أن يجدوه في أرض الواقع.

ثم أخبرني بالقصة التالية : يقول لدي الآن مريضة تحول زواجها إلى مأساة ، فقد كانت تريد الحب والمتعة والأطفال والوجاهة الاجتماعية، ولكن الحياة خيبت آمالها. فزوجها لم يحبها، بل أنه رفض أن يأكل معها (شوف النذالة أخص بجد ؟) وأجبرها أن تأتي له بوجباته في غرفته في الدور العلوي (والله ما أوديها ، ما يأكل معي وكمان عايزني أكون "روم سيرفس" كمان !). ولم ترزق بأطفال ولم تجد الوضع الاجتماعي اللي كانت تبغاه.. ولذلك جُنّت.

يقول بعد ما جت عندنا المستشفى وفي عالم الخيال والجنون، طلقت زوجها واستعادت اسمها قبل الزواج ، وهي الآن تتخيل أنها متزوجة من عائلة إنجليزية أرستقراطية وتصر على مناداتها بـ " السيدة سميث ". وفي ما يتعلق بالأطفال فهي تتخيل أنها تنجب طفلاً كل ليلة، وفي كل مرة أقوم بزيارتها تقول: "لقد رزقت اليوم بطفلة يا دكتور". حياتها مأساوية أليس كذلك ؟ لا أعلم.. ولكن طبيبها قال لي: "لو أن بمقدوري أن أمد يد العون لها وأعيد لها عقلها ما فعلت ذلك، فهي الآن أسعد".

فيقول ديل كارنيجي: إذا الناس عندها تعطش للشعور بالأهمية يخليهم يصيرون مجانين عشان يشبعون هذه الغريزة، فتخيل المعجزة اللي أنت بتقدمها لأي شخص إذا قدرتهم تقدير صادق وأمين وأشبعت عندهم رغبة الشعور بالأهمية. فعلاً هذا الكلام حقيقي، تقدير الأشخاص هو من أعظم الأشياء اللي بيخليك تتحكم فيهم وتسخرهم لك.

قصة الزهور الستة

وفي قصة من أعجب وأجمل القصص اللي سمعتها في هذا الكتاب ، يقول ديل كارنيجي أحد الأشخاص اللي حضروا هذه الدورة ولما جينا نتكلم عن هذا المبدأ قص لنا قصته مع زوجته. يقول: زوجتي التحقت في برنامج تطوير الذات ، وخلال التدريب طلبوا منها أنها تروح لزوجها وتجيب ورقة وتقول له: "اكتب فيها ستة عيوب تشوفها فيني احتاج اني أعدلها أو أحسنها". يقول قلت لها حاضر، فأجلت الموضوع لليوم الثاني. ولما جاء من بكرة ، استيقظت الصباح باكراً واتصلت على محل الزهور وطلبت منه أن يرسل ست زهور لزوجتي في مقر التدريب، وطلبت من محل الزهور أن يكتب على البطاقة: "لا أستطيع التفكير في ستة أشياء أود تغييرها فيكِ، فأنا أحبك كما أنتِ يا أغلى الناس."

الله يرزقنا شركاء حياة مثل هذول قولوا أمييين ! يقول بعد ما خلصت عملي ورجعت المنزل نهاية هذاك اليوم ، تخيلوا من كان يقف على الباب في انتظاري ؟ يعني مين ؟ أكيد هي تنتظرك (ويمكن أنا أنتظرك معها).. قال: "بالضبط كانت زوجتي تنتظرني، بل وبكت لأنني لم أنتقدها وقدرتها تقديراً صادقاً وأميناً"

قدر الأشخاص اللي موجودين في حياتك يا صديقي المتابع. قدر أمك ، قدر أباك ، قدر أخوك ، شريكة حياتك ، زوجتك قدرها.. قدر التضحيات اللي يسوونها عشانك ، دور أي علاقة حولك تحس أنها متدمرة أو جافة أو أنها مو كويسة ، وغذها بالتقدير الصادق والأمين، ومع "نظرية المزرعة" والوقت راح تشوف الأثر العظيم جداً لهذا السر.

ختاماً

إذا استفدت من هذا المقال، أرسله لأهلك وأصدقائك وأحبابك ولأي شخص تعتقد أنه ممكن يستفيد منه، ولا تنسى تشاركنا رأيك في التعليقات.


وأراك في الجزء القادم .. فكن مستعدااا ..


تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

الاسمبريد إلكترونيرسالة